عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

301

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « أرني » مفعوله الثّاني محذوف ، تقديره : أرني نفسك ، أو ذاتك المقدّسة ، وإنّما حذفه مبالغة في الأدب ، حيث لم يواجهه بالتّصريح بالمفعول ، وأصل « أرني » « أراني » فنقلت حركة الهمزة ، وقد تقدّم تحريره . فصل [ في أن النظر إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها ] فإن قيل : النّظر إمّا أن يكون عبارة عن الرّؤية ، أو عن مقدّمتها ، وهي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته ، وعلى التّقدير الأول : يكون المعنى : أرني حتّى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى : أرني حتى أقلّب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : أحدهما : أنّه يقتضي إثبات الجهة . والثاني : أنّ تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية ؛ فجعله كالنّتيجة عن الرّؤية وذلك فاسد . فالجواب : أن معنى أرني : اجعلني متمكنا من رؤيتك حتّى أنظر إليك وأراك . فإن قيل : كيف سأل الرّؤية وقد علم أنّه لا يرى ؟ قال الحسن : هاج به الشّوق ؛ فسأل الرؤية . وقيل : سأل الرّؤية ظنّا منه أنّه يجوز أن يرى في الدّنيا . قوله : « لن تراني » قد تقدّم أنّ « لن » لا يلزم من نفيها التّأبيد ، وإن كان بعضهم فهم ذلك ، حتى إنّ ابن عطيّة قال « فلو بقينا على هذا النّفي المجرّد لتضمن أنّ موسى لا يراه أبدا ، ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى في الحديث المتواتر أنّ أهل الجنّة يرونه » . قال شهاب الدّين « 1 » : « وعلى تقدير أنّ « لن » ليست مقتضية للتّأبيد ، فكلام ابن عطيّة وغيره ممّن يقول : إنّ نفي المستقبل بعدها يعمّ جميع الأزمنة المستقبلة - صحيح ، لكن لمدرك آخر ، وهو أنّ الفعل نكرة ، والنكرة في سياق النّفي تعمّ ، وللبحث فيه مجال » . والدليل على أنّ « لن » لا تقتضي التّأبيد قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] أخبر عن اليهود ، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [ الحاقة : 27 ] . فإن قيل : كيف قال : « لن تراني » ولم يقل : لن تنظر إليّ ، حتّى يطابق قوله أنظر إليك ؟ فالجواب أنّ النّظر لمّا كان مقدمة للرّؤية كان المقصود هو الرّؤية لا النّظر الذي لا رؤية معه . والاستدراك في قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ » واضح ، فإن قلت : كيف اتصل الاستدراك في قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ » فالجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرّؤية ، وأنّ أحدا لا يقوى على رؤية اللّه تعالى إلّا إذا قواه اللّه بمعونته وتأييده ؛ ألا ترى أنّه لما

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 338 .